بزَغَ نجْمُ “بيونغ شول هان” (Byung-Chul Han) مؤخرًا كأحد الفلاسفة والمُنظِّرين الثقافيين؛ على خلفية نقده العميق للوضع المأساوي الذي تواجهه البشرية تحت سطوة الحياة الرقمية التي تغمرنا اليوم، والتي أصبحت تميِّز العصر النيوليبرالي الرأسمالي المتأخِّر، أكثر من أي شئ آخر، وذلك بأسلوب يتسم بالسلاسة والوضوح، يتخلَّله جدلٌ رائق مع أفكار مَن سبق من فلاسفة ومفكِّرين أمثال أفلاطون، وهيجل، وماركس، ومارتن، هايدغر وغيرهم.
وقد درَسَ “هان”، المولود بكوريا الجنوبية 1959، الفلسفة والأدب واللاهوت الكاثوليكي في ألمانيا خلال فترة الثمانينيات. وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة فرايبورغ عام 1994. وانضم في مطلع الألفية إلى قسم الفلسفة بجامعة بازل السويسرية، ثم إلى جامعة كارلسروه الألمانية للفنون والتصميم، ليستقر أستاذًا للفلسفة والدراسات الثقافية بجامعة برلين للآداب منذ عام 2012.
وفي محاولة لتشريح جوانب عصرنا المتطوِّر بسرعة فائقة، ألَّف “هان” العديد من الكتب، أشهرها “السيكوبوليتيكا” و”مجتمع الشفافية” و”طوبولوجيا العنف” و”خلاص الجمال”، حيث يكشف فيها عن طُرُق ووسائل غواية النيوليبرالية للإنسان المعاصر وتداعيات ذلك عليه، صحيًا ونفسيًا واجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا، حاضرًا ومستقبلاً.
ويميل كثيرون إلى تصنيف “هان” ضمن مفكِّري مدرسة فرانكفورت النقدية الألمانية، إلا أن “هان” يتميز عن مفكري هذه المدرسة بأن كتاباته لا تسلك مسلكًا أيديولوجيًا خالصًا؛ حيث لا تتبنَّى توجهًا ماركسيًا دعائيًا انقضى وقته، بل تُقدِّم وصفًا دقيقًا لطبيعة الحياة الراهنة، والتوقعات المستقبلية لها. بجانب ذلك، يمكن اعتبار “هان” عينًا شرقية ناقدة ومفنِّدة للعالم الحداثي الغربي برأسماليَّته المتغوِّلة، المتسلِّلة إلى بقاع الأرض؛ خاصةً وأنه قد خَبِر الحياة الكورية المُستغرِقة في العمل والمتصدِّرة قائمة الدول المتقدِّمة في معدل الانتحار، وكذا الحياة الغربية، بألوانها الفكرية والعَمَلية، منذ انتقاله إلى ألمانيا.
لعنة النيوليبراليَّة الرقميَّة
تكاد تنطق كتابات “هان” بأن النيوليبرالية هي التجسيد الأمثل للشر المُطلَق في يومنا هذا؛ فهي تجاوزت أهدافها لأجل تحقيق رفاه المجتمعات، لتصبح خندق للشقاء المُستدَام، الذي يُرهِن الإنسانَ أسيرًا له، مقابل إبقائه على قيد الحياة. وقد رسَّخت هذا المسارَ الوتيرةُ المتسارعة لعملية العولمة، المُعزَّزة بالابتكارات التكنولوجية ووسائل التواصل الاجتماعي، المُهيمَن عليها من قِبَل عدة شركات عملاقة، لا تستهدف سوى تنمية أصولها وأموالها.
هذه “النيوليبراليَّة الرقميَّة”، التي تسربت مظاهرها إلى كل بيت، تشكِّل بحسب “هان” عصرًا تنويريًا ثانيًا، يضاهي في وَقْعِه وحِدَّته عصر التنوير الأول الذي انطلق خلال القرن الثامن عشر، لكن مع فارق جوهري هو أنه بينما ركز العصر الأول على العقل والأدلة التجريبية والمنهج العلمي، يسعى الثاني – عبر اعتماده على تدفق البيانات والمعلومات- إلى تقديم صِيَغ رقمية وافتراضية خالية من المعنى والروابط الحقيقية . إن هذه النزعة تمثل في ذاتها أيديولوجيا جديدة، تقودنا باستمرار نحو شمولية رقمية، يمكن تسميتها “بربرية البيانات”، ونحن فيها لسنا سوى صورًا لـ “النفس المُكمَّمة [من الكَمِّ]” التي يتم فيها قياس أدائنا العقلي والبدني، كحرارة الجسم وسكر الدم ونسبة الدهون ونبضات القلب وحتى الاسترخاء، بلغة الأرقام. لكن مع ذلك، تتجاهل هذه الأرقام سؤال: مَن نحن؟ لتفرِّغ نفوسنا من معناها، والفرد من معنى ذاته، حيث تتحلَّل النفس إلى بيانات وأرقام بلا معنى. وعليه، غدا الناس “بيانات مُعلَّبة” وبضاعةً مزجاة، يمكن استغلالها اقتصاديًا؛ خدمةً لرأس المال . وهذا يُدحِض بالمناسبة ما تعِدُنا به البيانات الضخمة من بلوغ “المعرفة المُطلَقَة”، فهي خدعة وجهلٌ مُطلق؛ لكونها تفتقر ببساطة إلى أي روح .
يصكُّ “هان” مفهوم “التلعيب”، بمعنى تصوير الشئ وتقديمه كلعبة، كأحد أهم الوسائل التي تضمن وجود رأسمال نيوليبرالي ثابت أبدًا، ويرى أنه يمثل بديلاً عن العمل الحقيقي المُثمِر للأفراد. فيما يقدم صورة جديدة من الرأسمالية يمكن تسميتها بـ “رأسمالية العواطف”. فعند النظر على سبيل المثال إلى وسائل التواصل الاجتماعي كلعبة، فإنها تستحوذ على الفرد وعواطفه وتفاعلاته، مما يعني أن الفرد بكامل وقته، يعيش داخل اللعبة بقواعدها، وهو ما يفيد النيوليبراليَّة الرقميَّة، ويُسهِم في زيادة إنتاجها باستمرار. ومن ثمَّ، فإن المجتمعات تشهد بفعل غواية الثورة الميكروإلكترونية انفصالاً تدريجيًا عن العمل الإنساني الحقيقي الذي يعطي للحياة معناها، فيما يصبح العمل ورأس المال – للمفارقة – وجهان لعملة واحدة، بما يستدعي أن تتخلَّى الأحزاب العمالية عن شعارها “تحرير العمل”، وأن تسعى بدلاً من ذلك التحرُّر منه .
في الواقع، تعمل المنظومة النيوليبراليَّة الرقميَّة على القضاء على قوانين الأرض دفعةً واحدة؛ وإلى الأبد؛ فهي تلغي – بسيولتها التامَّة – ما يتألف منه النظام الأرضي من جدران وحدود وحصون، ورسوخٌ مميِّزٌ له، وتستبدله بمجال افتراضي واسع، لا يقرُّ له قرار، فاحتشادات الأفراد الرقميين في تجمعات من وراء الشاشات هي سريعة الزوال وغير مستقرة؛ فهم يفتقرون إلى الرابط الداخلي للتجمع، ويشكِّلون زحامًا بلا روح أو ضمير يجمع بينهم .
+ لايوجد تعليقات حتى الان
اضف تعليق