هل تنجح موازنة 3 سنوات؟ قراءة هادئة في تجربة غير مسبوقة

| 👁️ 8 مشاهدة
👁 8 مشاهدة

علي كريم إذهيب – منذ إقرار الموازنة الثلاثية في العراق لأول مرة في تاريخه الحديث، توالت ردود الأفعال المتباينة بين الترحيب الحذر والقلق المشروع. وبينما يراها البعض خطوة نحو الاستقرار المالي وتجاوز الإرباك السنوي في إعداد الموازنات، يعتبرها آخرون مغامرة محفوفة بالتحديات في بلد يشهد تقلبات سياسية واقتصادية متكررة.

فهل تنجح هذه التجربة؟ وهل يمكن للموازنة الثلاثية أن تصبح بداية لنهج اقتصادي أكثر استقرارًا؟ هذا ما نحاول استكشافه في هذا التقرير، عبر قراءة هادئة وتحليلية لمضامين الموازنة، واستطلاع آراء مختصين في الشأن الاقتصادي.

الخطوة الأولى.. من أين بدأت الحكاية؟

في يونيو 2023، صوّت مجلس النواب العراقي على قانون الموازنة للسنوات (2023-2024-2025) بقيمة إجمالية تتجاوز 198 تريليون دينار سنويًا، لتكون أول موازنة تمتد لثلاث سنوات بدلًا من سنة واحدة كما جرت العادة منذ 2003.

جاء هذا التوجه بحسب الحكومة “لضمان استقرار السياسات المالية والتنموية”، وتوفير رؤية واضحة للمشاريع الاستثمارية الكبرى التي تتطلب تخطيطًا يمتد لأكثر من عام.

وجهة نظر: “الموازنة ليست أرقامًا فقط”

في تصريح خاص لشبكة «إنماز نيوز» قال الاختصاصي المالي الدكتور سعد المعموري، إن “الموازنة الثلاثية تعني تقليل الروتين، وتسريع الإنفاق الاستثماري، خصوصًا في المشاريع المتلكئة منذ سنوات”.

ويضيف: كنا نبدأ كل سنة من الصفر، الآن لدينا إطار مالي ثابت يمكن البناء عليه، مع مرونة للمراجعة السنوية. التحدي الأكبر ليس في الأرقام، بل في التنفيذ والمتابعة.”

رأي اقتصادي: “تجربة محفوفة بالمخاطر”

لكن الخبير الاقتصادي يوسف الراوي يرى أن هذه الخطوة لا تخلو من المغامرة. ويقول: اقتصاد العراق يعتمد بنسبة تزيد عن 90% على إيرادات النفط، وتقلبات أسعار النفط تجعل التخطيط لثلاث سنوات أشبه بالتخمين”.

ويتابع لشبكة «إنماز نيوز»: ما لم تترافق الموازنة مع إصلاح إداري صارم، وضبط للإنفاق التشغيلي، فإن السنوات الثلاث قد تتحول إلى ثلاث سنوات من تراكم العجز”.

ماذا تقول الأرقام؟

بحسب وثيقة الموازنة، اطّلعت عليها شبكة «إنماز نيوز» فإن الإنفاق السنوي يتوزع بين 75% إنفاق تشغيلي (رواتب، دعم، خدمات)، و25% فقط إنفاق استثماري. هذا يعني أن حوالي 150 تريليون دينار سنويًا تذهب إلى التزامات ثابتة، لا تنتج نموًا حقيقيًا.

ويشير تقرير لديوان الرقابة المالية أن “نسبة الإنجاز في المشاريع الاستثمارية في موازنة 2023 لم تتجاوز 42%” بحلول نهاية العام، وهو ما يعيدنا للسؤال الجوهري: هل المشكلة في الموازنة أم في أدوات تنفيذها؟

زاوية إنسانية: ماذا يهم المواطن؟

في السوق الشعبية بمنطقة الكرادة، يضحك الحاج أبو أحمد حين نسأله عن رأيه في الموازنة الثلاثية، ويقول لشبكة «إنماز نيوز» : احنا نريد موازنة تخلي الكهرباء 24 ساعة وتخلّصنا من الطوابير على المستشفيات.. مو يكتبون 200 تريليون وما نعرف وين تروح”.

أما المهندسة زينب عدنان، فتقول لشبكة «إنماز نيوز» إنها تنتظر منذ 5 سنوات استئناف مشروع الإسكان الذي كانت قد دفعت مقدّمًا له، وتضيف: إذا الموازنة الثلاثية تضمن استكمال المشاريع السكنية، فأكيد راح تكون خطوة إيجابية”.

المحافظات.. بين المركز والتمويل

من التحديات الرئيسية التي تواجه تطبيق الموازنة الثلاثية، هو آلية توزيع الأموال على المحافظات. ويشتكي العديد من المسؤولين المحليين من بطء التمويل وتضارب الصلاحيات.

يقول مسؤول حكومي من محافظة بابل طلب عدم الكشف عن هويته لشبكة «إنماز نيوز»: لدينا تخصيصات جيدة على الورق، لكن تحويل الأموال يتأخر، مما يعطل العمل في المشاريع. نحتاج إلى لا مركزية حقيقية في تنفيذ الموازنة.”

التعديل السنوي: “صمام أمان”؟

من الجدير بالذكر أن الموازنة الثلاثية تتضمن آلية تعديل سنوي، بحيث تراجع وزارة المالية بالتعاون مع البرلمان أرقام السنة المقبلة وفقًا للمعطيات المالية، كالإيرادات الفعلية وسعر برميل النفط.

الدكتورة ليلى حسين، أستاذة الاقتصاد الجامعية، ترى أن هذه المرونة هي النقطة المضيئة في القانون، وتقول لشبكة «إنماز نيوز» : المشكلة في العراق ليست في النصوص، بل في القدرة على تفعيلها. لو طُبّق بند المراجعة السنوية بجدية، يمكن تدارك أي خلل قبل تفاقمه.”

ما الذي يجعل التجربة تنجح؟

يمكن القول إن نجاح الموازنة الثلاثية يعتمد على عدة عوامل مترابطة:

• الالتزام بالتنفيذ الفعلي وليس الاكتفاء بالتخصيص الورقي.

• الحد من الإنفاق التشغيلي غير الضروري.

• تعزيز الموارد غير النفطية مثل الضرائب والقطاع الخاص.

• تطوير أدوات الرقابة المالية والمحاسبة.

• ضمان التوزيع العادل والفعّال للمخصصات بين المحافظات.

إنها تجربة غير مسبوقة، نعم، لكن الفرصة قائمة لتحويلها إلى نقطة انطلاق نحو إدارة مالية أكثر نضجًا. فهل تمتلك الحكومة الإرادة والأدوات؟ وحده الزمن سيجيب.

اطلع على المزيد

اخبار مشابهة قد تهمك