بغداد – إنماز نيوز
في مشهد سياسي وقانوني عاصف، صوّت مجلس النواب العراقي على إدراج “مدونة الفقه الجعفري” ضمن قانون الأحوال الشخصية، في خطوة وُصفت من قبل مؤيديها بالإنجاز التاريخي الذي يُنصف الأغلبية الشيعية، فيما اعتبرها معارضوها بداية انزلاق نحو تقنين الانقسام المذهبي وإضعاف الدولة المدنية.
القرار لم يكن مجرد إجراء تشريعي؛ بل كان لحظة مفصلية كشفت عمق التباينات في المجتمع العراقي، وطرحت أسئلة كبيرة حول مستقبل العدالة والمساواة والعيش المشترك.
خلفيات تشريعية قديمة وحاضر متجدد
منذ صدور قانون الأحوال الشخصية الموحّد رقم 188 لسنة 1959، ظل العراق يعتمد إطاراً قانونياً واحداً ينظم شؤون الزواج والطلاق والمواريث والحضانة. ورغم ما شهده القانون من تعديلات لاحقة، إلا أنه بقي مرجعية أساسية تجمع العراقيين على اختلاف مذاهبهم.
لكن خلال العقود الماضية، ارتفعت أصوات تطالب بإنشاء نصوص خاصة بالمذهب الجعفري، معتبرة أن القانون الموحد لم يُنصف أتباع المذهب ولم يترجم بدقة أحكامه. هذه المطالب كسبت زخماً مع توسع نفوذ القوى الشيعية في العملية السياسية بعد 2003، وصولاً إلى اللحظة الراهنة التي تُوجت بالتصويت على المدونة.
ماذا تتضمن المدونة الجديدة؟
المدونة، التي أعدها ديوان الوقف الشيعي، تحتوي على أكثر من 330 مادة، أي ثلاثة أضعاف مواد القانون الموحد. وهي لا تكتفي بالإطار العام، بل تقدم تفاصيل دقيقة في مسائل الزواج الدائم والمؤقت، شروط الطلاق، النفقة، الوصايا، والمواريث.
من أبرز ملامحها:
-
تحديد الحضانة للأم حتى سن السابعة، ثم انتقالها للأب، مع منح الطفل بعد بلوغه خيار اختيار وليه.
-
إعطاء المحاكم مرونة في تحديد أوقات رؤية الأطفال وظروفها.
-
تنظيم دقيق لميراث الأقارب بما يتفق مع أحكام الفقه الجعفري.
وبالمقارنة مع القانون الموحد، تبدو المدونة أشمل وأكثر تفصيلاً، ما يراها أنصارها نقطة قوة، بينما يعدها منتقدوها باباً لتكريس التمييز بين المذاهب.
أنصار المدونة: خطوة لتثبيت العدالة المذهبية
بالنسبة للمؤيدين، يمثل القانون الجديد استجابة لحق طبيعي لطائفة كبرى في العراق. فهم يرون أن إقرار المدونة يضمن المساواة الدينية ويمنح الشيعة إطاراً قانونياً يعكس هويتهم الفقهية، بدلاً من الاكتفاء بقانون عام قد يتعارض مع معتقداتهم.
يؤكد هؤلاء أن وجود مدونة خاصة لا يعني بالضرورة إلغاء القانون الموحد، بل يُمكن أن يشكّل إضافة تعزز التعددية التشريعية وتحترم التنوّع العراقي. وهم يشيرون إلى تجارب دول أخرى تسمح بتعدد قوانين الأحوال الشخصية، مثل لبنان والهند، حيث تحتكم الطوائف المختلفة إلى قوانين خاصة بها.
معارضو المدونة: خطر على وحدة القانون والمجتمع
على الجانب الآخر، تتصاعد أصوات معارضة، من منظمات نسوية، حقوقية، وحتى من بعض القوى السياسية. أبرز المخاوف تتمثل في:
-
المساس بحقوق المرأة: إذ ترى المنظمات الحقوقية أن المدونة تفتح الباب أمام زواج القاصرات وتقيّد حرية النساء في الطلاق والحضانة.
-
تقنين الانقسام: يخشى معارضو المشروع من أن يؤدي تطبيقه إلى وجود مواطنين محكومين بقوانين مختلفة، ما يفتت مبدأ وحدة القانون.
-
إضعاف الدولة المدنية: فبدلاً من تعزيز المواطنة، قد يؤدي المشروع إلى ترسيخ الولاءات المذهبية على حساب الهوية الوطنية المشتركة.
هذه المخاوف تكتسب أهمية خاصة في ظل مجتمع عانى كثيراً من الانقسامات الطائفية، وما يزال يبحث عن أرضية صلبة لوحدته.
ردود الفعل الدولية
لم يتوقف الجدل عند حدود العراق. منظمات دولية، بينها هيومن رايتس ووتش، عبّرت عن قلقها من أن يؤدي القانون إلى تراجع الحماية القانونية للنساء والفتيات، معتبرة أن السماح بالاحتكام إلى تشريعات مذهبية قد يتعارض مع التزامات العراق الدولية في مجال حقوق الإنسان.
كما أن مراقبين إقليميين اعتبروا أن الخطوة تحمل أبعاداً سياسية، في ظل تنافس النفوذ في المنطقة، وأن إقرار المدونة يرسّخ الهوية الشيعية قانونياً، بما يتجاوز الإطار المحلي.
بين الدين والدولة: جدلية مستمرة
القانون الجديد يطرح سؤالاً أعمق: كيف يمكن للعراق أن يوازن بين مرجعية الدين وأسس الدولة المدنية؟ فبينما يستند التشريع الجديد إلى مرجعية دينية واضحة، فإن الدولة العراقية الحديثة تسعى – على الأقل نظرياً – إلى ترسيخ مبدأ المواطنة فوق الانتماءات الفرعية.
وهنا تكمن المعضلة: هل تُعتبر المدونة تعبيراً عن التنوع الذي يثري المجتمع، أم خطوة تُضعف مرجعية الدولة المدنية وتزيد الشرخ بين مكوناتها؟
تأثير مباشر على الأسرة العراقية
التداعيات لن تبقى في أروقة القضاء فقط، بل ستنعكس على الحياة اليومية للعراقيين. فالأسر قد تجد نفسها أمام خيار صعب: الاحتكام للقانون الموحد أو للمدونة الجديدة. وهذا الخيار، برأي خبراء قانونيين، قد يخلق نزاعات إضافية، خصوصاً في حالات الزواج المختلط بين المذاهب المختلفة.
كما أن اختلاف النصوص القانونية بين مدونة وأخرى قد يؤدي إلى تضارب في الأحكام القضائية، ما يربك النظام القانوني برمته.
ما بين الترحيب والتحفظ: العراق أمام مفترق طرق
لا شك أن المدونة تمثل تحولاً كبيراً في التشريع العراقي. فهي تعكس قوة المرجعية الدينية، وتستجيب لمطالب شريحة واسعة من المجتمع، لكنها في الوقت ذاته تفتح الباب أمام جدل معقّد حول الهوية والوحدة الوطنية.
المشهد الآن منقسم: مؤيدون يرونها نصراً طال انتظاره، ومعارضون يحذرون من كارثة قد تطيح بما تبقى من وحدة قانونية ومدنية. وبين هؤلاء وأولئك، يقف العراقي العادي حائراً، متسائلاً: هل سيخدم هذا القانون مصلحة الأسرة والمجتمع، أم سيكون مجرد حلقة جديدة في سلسلة الانقسامات؟
أي مستقبل ينتظر التشريع العراقي؟
البرلمان العراقي، بإقراره للمدونة، لم يحسم الجدل بقدر ما فتحه على مصراعيه. فالقانون الجديد سيخضع لاختبار حقيقي على أرض الواقع، في المحاكم والبيوت، حيث ستظهر آثاره الفعلية.
العراق اليوم أمام امتحان صعب: إما أن ينجح في تحويل التعددية إلى مصدر قوة، عبر إدارة حكيمة ومتوازنة، أو أن ينزلق إلى مزيد من الانقسام القانوني والاجتماعي. وفي الحالتين، تبقى المرأة العراقية والطفل العراقي في قلب هذا الجدل، باعتبارهما الأكثر تأثراً بأي تغيير في قوانين الأحوال الشخصية.
المدونة إذن ليست مجرد نصوص على الورق، بل مرآة لواقع العراق: بلد يتأرجح بين هوياته الدينية ومسعاه لبناء دولة مدنية، وبين طموحاته للتعددية ومخاوفه من الانقسام.
