حين دخلت الحداثة سوق الشورجة: عمارة أدفيش عبود شاهدًا على بغداد الخمسينيات

| 👁️ 9 مشاهدة
👁 9 مشاهدة

إنماز نيوز – في قلب سوق الشورجة، أحد أقدم وأهم المراكز التجارية في بغداد، تقف عمارة أدفيش عبود بوصفها شاهدًا معماريًا نادرًا على مرحلة مفصلية من تاريخ المدينة، مرحلة انتقلت فيها بغداد من الطراز التقليدي إلى الحداثة العمرانية في منتصف القرن العشرين. فالعمارة، التي شُيّدت عام 1955، لا تُعد مجرد مبنى تجاري، بل وثيقة بصرية تختصر تحولات اجتماعية واقتصادية ومعمارية عميقة.

تصميم دائري في بيئة مستطيلة

تتميّز عمارة أدفيش عبود بتصميمها الدائري الفريد، وهو اختيار غير مألوف في بيئة عمرانية مثل الشورجة، حيث تسود الكتل المستطيلة الضيقة والمباني الوظيفية البحتة. هذا الشكل لم يكن ترفًا جماليًا، بل يعكس فلسفة حداثية تسعى إلى كسر النمط السائد، وخلق علاقة مختلفة بين المبنى والفضاء المحيط به.

التصميم الدائري يمنح الواجهة حضورًا بصريًا قويًا من مختلف الزوايا، ويُسهِم في توزيع الحركة والضوء بشكل أكثر توازنًا، وهو ما يتوافق مع توجهات العمارة الحديثة التي كانت رائجة عالميًا في خمسينيات القرن الماضي، والمتأثرة بمدارس مثل الحداثة الوظيفية والباوهاوس، مع تكييفها للبيئة المحلية.

Screenshot

المعماري عبدالله أحسان كامل: حداثة بروح محلية

يقف وراء هذا العمل المعماري المهندس العراقي عبدالله أحسان كامل، أحد الأسماء التي ساهمت في ترسيخ العمارة الحديثة في بغداد. ينتمي كامل إلى جيل من المعماريين العراقيين الذين تلقّوا تعليمهم الأكاديمي الحديث، وعملوا على مواءمة الأفكار الغربية مع الخصوصية المناخية والاجتماعية للمدينة.

في عمارة أدفيش عبود، يظهر هذا التوازن بوضوح: استخدام الخرسانة المسلحة بأسلوب حديث، مع مراعاة فتحات التهوية والظل، بما يتلاءم مع مناخ بغداد الحار. كما أن الواجهة لا تُغرق في الزخرفة، بل تعتمد البساطة والخطوط الواضحة، في انسجام مع مبدأ “الشكل يتبع الوظيفة”.

بغداد الخمسينيات: سياق تاريخي

جاء تشييد العمارة في فترة شهدت فيها بغداد نهضة عمرانية واقتصادية لافتة. فقد كانت الخمسينيات مرحلة توسّع تجاري، وازدهار في مشاريع البنية التحتية، وظهور طبقة تجارية تسعى إلى مبانٍ حديثة تعبّر عن مكانتها الاقتصادية.

الشورجة، بوصفها القلب التجاري النابض، لم تكن بمعزل عن هذه التحولات. وعلى الرغم من طابعها التراثي، بدأت تشهد إدخال مبانٍ حديثة تُلبّي متطلبات التجارة المتنامية. هنا برزت عمارة أدفيش عبود كإشارة واضحة إلى أن الحداثة يمكن أن تتعايش مع التاريخ، دون أن تطمسه.

وظيفة اقتصادية وهوية معمارية

أُنشئت العمارة أساسًا لأغراض تجارية، وهو ما ينسجم مع موقعها في الشورجة. لكن تميّزها لا يكمن في وظيفتها فقط، بل في قدرتها على تحويل المبنى التجاري إلى معلم بصري. فبين محال مزدحمة ومخازن تقليدية، تفرض العمارة حضورها بهدوء، دون صدام مع المحيط.

هذا النوع من العمارة يعكس وعيًا مبكرًا بأهمية الهوية البصرية للمدينة، حيث لا يُنظر إلى المبنى كوعاء وظيفي فحسب، بل كعنصر مؤثر في الذاكرة الجمعية للمكان.

عمارة مهددة بالنسيان

رغم قيمتها المعمارية والتاريخية، تعاني عمارة أدفيش عبود، شأنها شأن العديد من مباني بغداد الحديثة، من الإهمال وضعف التوثيق. فغياب لوحات تعريفية، وعدم إدراجها ضمن قوائم الحماية الرسمية، يجعلها عرضة للتشويه أو التغيير غير المدروس.

يشير باحثون في تاريخ العمارة العراقية، اعتمادًا على أرشيفات بلدية بغداد ودراسات أكاديمية محلية، إلى أن مباني الخمسينيات تمثل “حلقة مفقودة” بين العمارة التراثية والعمارة المعاصرة، وأن الحفاظ عليها يُعد حفاظًا على سردية تطور المدينة.

شاهد على حداثة بغداد

لا يمكن قراءة عمارة أدفيش عبود بمعزل عن زمنها. فهي ليست مجرد بناء من الخرسانة، بل تعبير عن طموح مدينة كانت تبحث عن موقعها في العالم الحديث. تصميمها الدائري، ومعماريها العراقي، وسنة بنائها، كلها عناصر تجعل منها معلمًا معماريًا يجسّد حداثة بغداد في منتصف القرن العشرين.

إن إعادة الاعتبار لمثل هذه المباني، عبر التوثيق والصيانة وإدماجها في الوعي العام، لا تمثل حنينًا للماضي فحسب، بل استثمارًا في هوية بغداد، مدينةٍ لا تزال تحاول استعادة توازنها بين التاريخ والحداثة.

اطلع على المزيد

اخبار مشابهة قد تهمك