علي كريم إذهيب – يستعد مجلس محافظة البصرة للتصويت على مشروع إقليم البصرة، وهو قرار يتجاوز كونه خطوة إدارية محلية، ليشكّل تحوّلًا اقتصاديًا وماليًا وسياسيًا ذا أبعاد عميقة على العراق ككل، وبتأثيرات محتملة تمتد إلى الشرق الأوسط وحتى النظام الاقتصادي العالمي. فالبصرة ليست محافظة عادية؛ إنها بوابة العراق البحرية، وخزان نفطه الأكبر، وعصب صادراته، وأي تغيير في وضعها الإداري ينعكس مباشرة على معادلات القوة والثروة.
اقتصاديًا، يمكن النظر إلى إقليم البصرة بوصفه فرصة لإعادة تنظيم الثروة وتحسين الإدارة. فالإقليم، في حال امتلاكه صلاحيات أوسع، قد ينجح في توظيف عائدات النفط الضخمة لتطوير البنى التحتية، وتحسين الخدمات، وتنويع الاقتصاد المحلي عبر الاستثمار في الموانئ، والبتروكيمياويات، والنقل، والطاقة المتجددة. تجربة الأقاليم في دول أخرى تشير إلى أن اللامركزية المالية قد تقلل الهدر والبيروقراطية، وتسرّع اتخاذ القرار، وتخلق بيئة جاذبة للاستثمار الأجنبي.
لكن الوجه الآخر للعملة لا يقل أهمية. فاقتصاد العراق يعتمد بنسبة كبيرة على نفط البصرة، وأي خلل في العلاقة المالية بين الإقليم والمركز قد يهدد الاستقرار المالي للدولة. إذا ما طالب الإقليم بحصة أكبر أو بإدارة مستقلة للعائدات النفطية، فقد تواجه الموازنة الاتحادية اختناقات حادة، تؤثر في رواتب الموظفين، وتمويل المحافظات الأخرى، والمشاريع السيادية. وهنا يكمن الخطر الأكبر: انتقال العدوى، إذ قد تدفع خطوة البصرة محافظات أخرى للمطالبة بأقاليم مماثلة، ما يفتح باب التفكك المالي.
ماليًا، قد يتمتع الإقليم بمرونة في التخطيط والإنفاق، لكنه في المقابل سيتحمل أعباء ثقيلة. إدارة ملف النفط، والضرائب، والجمارك، والدين العام، تتطلب مؤسسات قوية وكوادر فنية عالية الكفاءة. من دون ذلك، قد يتحول الإقليم إلى كيان غني بالموارد، ضعيف بالإدارة، ما يفتح المجال للفساد المالي وتضارب الصلاحيات مع بغداد، ويعقّد العلاقة مع البنك المركزي والمؤسسات الدولية.
فنيًا وإداريًا، يُفترض أن يمنح الإقليم مساحة أوسع لتطوير الموانئ العراقية، وعلى رأسها ميناء أم قصر ومشروع الفاو الكبير، وربطها بسلاسل الإمداد العالمية. نجاح هذا المسار قد يغيّر موقع العراق في التجارة الدولية، ويجعله عقدة لوجستية بين الخليج وتركيا وأوروبا. لكن الفشل في التنسيق الاتحادي قد يؤدي إلى ازدواجية في القوانين والمعايير، ما يربك الشركات العالمية ويضعف الثقة بالبيئة الاستثمارية.
على المستوى الإقليمي، فإن إقليم البصرة سيكون لاعبًا حساسًا في معادلات الخليج. قربه الجغرافي من إيران والكويت والسعودية يمنحه وزنًا استراتيجيًا، خصوصًا في ملفات الطاقة والمياه والموانئ. أي توتر بين الإقليم والمركز قد يُستثمر من قوى إقليمية لتعزيز نفوذها، أو لإعادة رسم خرائط المصالح في شط العرب والخليج. وفي المقابل، قد يشكل الإقليم المستقر اقتصاديًا فرصة لتعزيز التكامل الإقليمي بدل الصراع.
عالميًا، يراقب سوق الطاقة أي تغيير في إدارة نفط البصرة بحذر. فالإقليم يصدّر الجزء الأكبر من النفط العراقي، وأي اضطراب سياسي أو قانوني سينعكس على الأسعار العالمية، ويؤثر في أمن الطاقة، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية العالمية. كذلك، فإن المؤسسات المالية الدولية ستتعامل مع الإقليم كحالة اختبار لقدرة العراق على إدارة اللامركزية من دون المساس بوحدته الاقتصادية.
إن التصويت على إقليم البصرة ليس قرارًا محليًا عابرًا، بل مفترق طرق. نجاحه يتطلب رؤية وطنية واضحة، واتفاقًا ماليًا وقانونيًا صارمًا مع بغداد، وضمانات تمنع تحويل اللامركزية إلى تفكك. فالبصرة قادرة أن تكون قاطرة ازدهار للعراق، كما يمكن – إذا أسيء التعامل مع الملف – أن تصبح شرارة أزمة تتجاوز الحدود.
