إنماز نيوز – في الوقت الذي تُساق فيه الحكومة خطاب “تقليل النفقات وتعظيم الإيرادات” بوصفه علاجاً سحرياً للأزمة المالية، تكشف الأرقام الصادمة أن جوهر المشكلة لا يكمن في مخصصات رواتب الموظفين التي هي في الأساس مُتدنية ولا في معيشة المواطن، بل في الخلل البنيوي العميق داخل هرم الدولة، حيث تبتلع رواتب كبار المسؤولين وحدهم ما يقارب 27 ملياراً و500 مليون دينار شهرياً، أي ما يعادل 330 مليار دينار عراقي سنوياً، وفق معطيات تقريبية واقعية يتم الحديث عنها ولا يمكن تجاهلها.
هذا الرقم يعني وبلا مواربة أن نحو 40٪ من الموازنة العامة المخصصة للرواتب تذهب إلى أقلية من كبار المسؤولين، في مقابل 60٪ فقط يتقاسمها ما يقارب خمسة ملايين موظف في القطاع العام، يشكلون العمود الفقري للإدارة والخدمات في البلاد.
وللمقارنة، فإن مبلغ 330 مليار دينار سنوياً يكفي لدفع رواتب نحو 37 ألف موظف حكومي لمدة سنة كاملة، أو رواتب 440 ألف موظف لشهر واحد، وهو ما يعادل إعالة “مدينة وظيفية” بأكملها، فيما يُطلب من الملايين شد الأحزمة.
الأدهى من ذلك، أن العراق بخلاف كبريات الدول الاقتصادية في العالم، يعيش تضخماً غير مسبوق في عدد الدرجات الخاصة، ويشار من خلال التقديرات التي نستطلعها إلى وجود ما يقارب 6000 درجة خاصة بين مستشارين ووكلاء وزارات ومدراء عامين ومحافظين ومجالس محافظات وغيرهم.
وعند مراجعة تجارب دول مثل الولايات المتحدة الامريكية، بريطانيا، اليابان، أو الهند، لا نجد أكثر من نائب واحد لكل وزير، وبعدد لا يتجاوز في الغالب 25 وكيل وزارة على مستوى الدولة بأكملها.
هذا التضخم الإداري لا يستهلك المال العام فقط، بل يمثل تشوهاً إدارياً عالمياً لا نظير له إلا في العراق!.
ورغم هذا النزيف الواضح، تأتي إجراءات حكومة تصريف الأعمال برئاسة “محمد شياع السوداني” لتضرب الحلقة الأضعف:
استقطاع مخصصات الموظفين، فرض ضرائب ورسوم على قطاعات واسعة، وتحميل المواطن كلفة الفشل المالي وسوء التخطيط الاستراتيجي، في محاولة لسد العجز المتراكم الناتج عن فساد حكومته والحكومات المتعاقبة وسوء إدارة الموارد.
والمفارقة المؤلمة أن 254 مليون دولار سنوياً (ما يعادل 330 مليار دينار) تُصرف على قلة من كبار المسؤولين، بينما يُطلب من المواطن التضحية بالخدمات والمعيشة.
إن هذه السياسات لا يمكن توصيفها إلا بوصفها إجراءات فاشية اقتصادياً ومخلة أخلاقياً، لأنها تعاقب المواطن على أخطاء لم يرتكبها، وتحمي منظومة مترهلة تستنزف المال العام دون إنتاج حقيقي أو إصلاح فعلي.
فبهذا المبلغ السنوي يمكن بناء 25 إلى 30 مستشفى متوسط السعة، أو نحو 500 مدرسة نموذجية، أو حل جزء كبير من أزمة السكن والكهرباء والمياه، لكن الأولوية ذهبت للرواتب والامتيازات لا للإنسان العراقي الذي هو جوهر بنية الدولة.
الأخطر من كل ذلك، أن استمرار هذه القرارات دون مراجعة جادة من البرلمان الجديد، قد يقود البلاد إلى اختلال سياسي عميق، وانفجار اجتماعي تتصدر فيه الأزمات الى الشارع، مع مخاوف حقيقية من سيناريو شبيه بما يشهده الشارع الايراني في هذه الإيام من تراجع اقتصادي وتدهور في قيمة العملة، والدخول في نفق مظلم يصعب الخروج منه دون اصلاحات تعزز من كرامة المواطن وعيشه الكريم.
إن القراءة السياسية لهذه الإجراءات توحي بأن حكومة السوداني، وهي في أيامها الأخيرة، قد اختارت طريق تصدير الأزمات للحكومة المقبلة، وخلق انسداد سياسي واقتصادي، مع التعويل على شارع يغلي للضغط على القوى السياسية، أملاً في إعادة إنتاج نفسها عبر بوابة الفوضى لا عبر الإنجاز!.
اليوم، الكرة في ملعب البرلمان الجديد.
إما أن يمارس دوره الدستوري في الطعن بهذه القرارات الجائرة وإلغائها، وفتح ملف الدرجات الخاصة ورواتب كبار المسؤولين بجرأة وشفافية،
أو أن يتحمل مسؤوليته التاريخية عما قد يترتب من انفجار اجتماعي، وانهيار ثقة، واضطراب سياسي لا تُحمد عقباه.
